
؛؛؛ عبق الحروف؛؛؛؛
هجرة النور .. دروس النبوة في زمن التآمر
بدرالدين عبدالقادر✒️
في مثل هذه الأيام تهبّ على أرواحنا نسمات الهجرة النبوية الشريفة تلك اللحظة الفارقة في تاريخ الرسالة والإنسانيةلا بوصفها مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة بل كتحوّل إستراتيجي أحدث قفزة نوعية في مسار الدعوة وبداية لعصر التمكين والانطلاق نحو بناء الدولة.
إنها هجرة النور…
هجرة الصبرََ والتخطيط والثقة المطلقة بوعد الله.
خرج النبي ﷺ من مكة لا هروبًا بل بإرادة واعية لتأسيس مجتمع جديد، يُقام على قواعد العدل والحرية والكرامة
كانت الهجرة لحظة فرز وكشف للأقنعة حيث تمايز الصف واصطفّ المخلصون حول راية التوحيد بينما انكشفت وجوه النفاق وبرزت معادن الصدق والولاء تحت راية واحدة شعارها:
والله يعصمك من الناس
واليوم وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا تقف أمتنا من جديد على مفترق طرق مشابه إذ لم يعد الخطر محصورًا في الخارج بل تمدّد إلى داخل الصفوف وتحوّل إلى طعنٍ من أبناء اللحمة والدم أولئك الذين باعوا قضايا شعوبهم بثمنٍ بخس وارتموا في أحضان مشاريع التفتيت والتبعية.
لقد تكررت خيانة عبد الله بن أبيّ في صورٍ عصرية:
نُخب وأحزاب تبيع ضمائرها، وتفرّط في كرامة الأمة وتسوّق الاستسلام تحت مسمّى “الواقعية السياسية” بينما أبواق مأجورة تروّج للاحتلال والتبعية متخلية عن الثوابت والكرامة
إن الصراع الكوني على أمتنا لم يتوقف يومًا…
لكنه اليوم يُدار بوسائل أشد فتكًا:
حصار اقتصادي خانق
صراعات داخلية مصطنعة
غزو فكري وثقافي ناعم يستهدف العقول قبل الأجساد، ويشوّه الهوية ويُحبط الإرادة.
لكننا نوقن كما علّمتنا الهجرة أن اليأس ليس خيارًا وأن التغيير ممكن مهما بلغت التحديات إذا صدقت النوايا وتكاتفت الصفوف واستعيدت بوصلة الوعي خلف مشروع وطني جامع
وفي الراهن السوداني يعيش الوطن في قلب معركة كرامة تُماثل مشهد ما قبل الهجرة
فعدوٌ خارجي يُحاصر وأيادٍ داخلية تُمزّق ومواقف رمادية تُداري المصالح وتخذل الشعب
كما أوصدت قريش الأبواب أمام نبيها، هناك من يغلق اليوم أبواب الوطن في وجه أهله ويبيع السيادة بثمن الوهم.
لكن كما خرج ﷺ من مكة ليعود فاتحًا فإننا على يقين أن الشعوب التي تملك الوعي والصبر، قادرة على صناعة الفجر وإن طال الظلام.
فلنجعل من عام الهجرة هذا، محطة لتجديد العهد مع دروسها الكبرى:
الوحدة لا التشرذم
الثقة بالله لا الارتهان
التمسك بالحق لا التماهي مع الباطل
والكرامة لا الخضوع مهما كلف الثمن.
الهجرة لم تكن نهاية،بل بداية.
لم تكن انسحابًا، بل انطلاقة لبناء حضارة قادها النبي الأمي ﷺ وصاغ ملامحها جيلٌ من الصحب والأنصار.
وأمتنا اليوم لا ينقصها العدد ولا الموارد…
بل تفتقر إلى القادة بحجم محمد ﷺ، وإلى الصحب في وفاء أبي بكر، وإلى شعب بوعي أنصار المدينة
فهل نملك نحن اليوم شجاعة الهجرة من الظلم إلى العدل
من التبعية إلى السيادة
من التشتت إلى وطنٍ يسع الجميع
ان معركة الوعي هي هجرتنا ومعركة الكرامة هي بدرنا القادمة



